Posted by: salemarabic | April 23, 2008

الرمزية في الأدب العربي

يشيع في الأدب الحديث بشكل عام، وبالشعر الحديث بشكل خاص ، الرمز بكل دلالاته وتناقظاته، والأسطوره بما تحملها من أسرار ومعاني يستعصي في أحيان كثيرة على القاريء البسيط فك طلاسمها، ويستلذها القاريء الملم بثقافات العالم المتعدده ، الشرقي منها والغربي. وسبب هذا التفاوت في فهم القاريء للشعر الحديث بما يحمل من رموز وأساطير يعود إلى الغموض والضبابيه التي تنسج خيوطها حول هذا النوع من الشعر، الثائر أبدا على وضوح الشعر القديم وتركيبته البسيطه المكرره التي ألفها العرب في غابر الأزمان.

الرمز والزمن

يقول الدكتور جميل جبر في موقع مجلة جسور الثقافية على الإنترنت، بأن الرمزيه في أصلها ” انقلاب على المدرسة الوضعية المرتبطة بالتطور العلمي، ففيما العلم يعتبر الزمن بعداً رئيسياً ومن هنا كان لا بد للقصيدة، لكي تحيا خارج الزمن، أن تفلت من القالب الزمني والترابط العقلاني وتتخذ لها صيغة خاصة متحررة من قيود الأوزان والقوافي الموروثة، الدالة على البعد الزمني وتأتلف مع اللاوعي والحلم في تركيبة لفظية منافية للمنطق“(1). ولا يخفى أن ما يقوله الدكتور جبر هو في إطار المفهوم الواقعي للقصيده الحره، الثائره أبدا على القصيده المسبكوه في شكلها والمفككه في معانيها ، وأعني هنا قصيده الأقدمين، القصيده العموديه بقوافيها الواحده وبحورها الجامده. فالشعر الحر، شعر سيال، لا حاد كالشعر التقليدي القديم، وبالتالي وجب عليه الهرب من الواقعيه وقيود الزمان والمكان التي كان الشعر القديم مرتبطا بها برسن من حديد مطبق أبدا على تركيبته ومعانيه مما أفقده ذلك الإتساع الفكري الذي تتمتع به القصيده الجديده.

الرمز كأداة توضيح

كما يرى بودلير، فأن الرمز بحد ذاته لا يحل محل فكرة مجردو ولكنه ضرب من ضروب المجاز الذي من شأنه أن يساعد على فهم المثال المطروح في القصيده، والرمز إذ يوضح المثال ، فهو يموهه في آن واحد، تاركا القاريء يستشف المعنى المتغير أبدا بتغير القاريء، حتى أن القصيدة ذاتها يتغير معناها بالنسبة للقاريء ذاته بتغير طبيعة تفكيره على مر السنين. وبالعودة إلى مثال الدكتور جبر، فهو يرى أن اللغة العادية تستخدم الوصف المحسوس، وبالتالي فهي عاجزة عن ولادة التعابير اللازمة للحالاة النفسيه الغامضة السوداوية المعقدة، وبالتالي وجب استخدام الرمز بما يحمله من قدرة هائلة على امتصاص الكثير من المعاني والفكار كثقب أسود يدور في فلك المعنى. فنحن نرى في الشعر الحديث رمزا واحدا قادرا على حمل عشرات المعاني المختلفه المتناقضة التي يعجز الشعر القديم من تفسيرها إلا بالصور البسيطه القائمه على المرئي والمسموع في بيئة الشاعر من زمان ومكان. والرمز إذ ذاك يحاكي الموسيقى التي تصل إلى روح الإنسان وتتحدث إليه مخبرة إياه عن ملايين المعاني، بالرغم من أنها ليست لغة مكتوبة أو شيئا مرئيا مقروءا، وبالتالي فالرمز قد يعتبر كذلك نوعا من أنواع الموسيقى الداخلية في النص الشعري الحديث الذي من شأنه أن يسلح القصيدة الحديثه بما تحتاجه من تفاسير وتوضيحات للقاريء.

الرمز والواقع

الوضوح في شعر من اتخذ الرمزية مذهبا له هو أمر متروك لا طائل منه، فالوضوح من وجهة نظرهم يعبر عن واقع الأمس البسيط، أما واقعنا الحديث بكل ما يحمله من تعقيدات وغموض يقتضي ما يعبر عنه بدرجة من الإبهام والتعقيد. (المصدر السابق)

الرمز الغربي،الرمز العربي

مثال من شعر السياب

مما لا يخفى على عاقل، فالشعر الحديث هو نتاج تأثر صارخ بالغرب، وبإمكاننا اعتبار T.S. Elliot من أحد أعلام الشعر الغربي المفضلين لدى شعراء العصر الحديث، بسبب استخدامه الواضح للرمز ممثلا قويا للتراث وامتداداته. وإليوت يرى أن الشعر ليس بحث مطلق عن بديع اللفظ وجميل السبك والتركيب بقدر ما هو أداة أو قناة للتواصل مع الجمهور والشاعر، تمنح الشاعر القدرة على الولوج إلى أعماق قراءه وتحريك وجدانهم وملامسة واقعهم وحسهم. وبما أن إليوت واحد من أكثر الشعراء الغربيين تأثيرا في الشعر الحديث، فإن الشعراء العرب من الشعر الحديث امتطوا صهوة الرمزيه كما فعل إليوت، واستخدموها أداة فعاله في الوصول إلى القاريء في الشارع العربي، ولكنهم وقعوا في فخ الأسطوره والرمز الغربي، فاستقوا رمزوهم من بحور ليست لهم، وغالوا في قطف الرموز من أشجار الإغريق والرومان والهنود والفرس، تاركين نخيلهم حبلى برموز تنتظر من يجنيها. وبدر شاكر السياب من الشعراء الذين اقتبسوا من الحضارات الغربيه القديمه دون حساب، كما فعل في قصيدته ” المومس العمياء” وهي إحدى القصائد المفضلة لدي. فالسياب يستهل قصيدته بصورة مظلمة قاتمه لحال المدينه التي تتفتح مصابيحها كعيون “ميدوزا” محجرة كل قلب بالضغينه، وكأنها نذر تبشر أهل ” بابل” بالحريق. ومن هذا المقطع الصغير جدا، نجد أن السياب أخذ أسطورة ميدوزا تلك المخلوقة اليونانية القديمة ذات الرأس المليء بالأفاعي والتي تحجر البشر بنظرة واحدة من عينيها، و التي قتلها البطل بيرسيوس واستخدم رأسها كسلاح له قبل أن يعطيه للإلاهة أثينا(2). باستخدام السياب لهذا الرمز المبهم الغائب المعنى عن القاريء العربي الغير مثقف غربيا ،يعجز عن إيصال فكرة لها أثرها إلى عقل القاريء العربي. ثم يعود السياب ليستخدم ” بابل” رمزا صريحا لعراق اليوم الذي عذبته الحروب المتواليه وأرهقت شعبه بلا ذنب، وذلك رمز يفهم القاري العربي على اختلاف أطيافه الفكريه لاقترابه من الثقافة العربية القديمة. من فهمي البسيط لرمز السياب في سطري هذه القصيدة الأولين، أجد أنه انما يصف ليل بغداد قبل خرابها ولكن يترك تلك الرموز الغريبه على القاريء العربي تصف بإبهام شديد حال الشارع العراقي قبل العاصفه.

وقصيدة المومس العمياء بصورتها الأشمل، هي وصف متوار للمجتمع العراقي الذي استبيح بسبب الحصار المتكرر والقهر المتواصل، فالمومس بحد ذاتها ما هي إلى مجتمع فقد براءة طفولته باحثا عن الخبز بطرق ارغمته على خلع رداء عزته القديم. وكما يرى الدكتور العراقي ياسين النصير فإن “الاغتراب مشكلة جماعية، فالمومس العمياء ليست فردا امتهنت البغاء رغبة بل هي كيان اجتماعي مستلب اختلطت في أبعاده المأساة الفردية بالمأساة الاجتماعية وتحول جسدها الى جسد من طين ومياه ونفط يطؤه المحتلون باحذيتهم كما يطؤها عابروا الليل وطالبوا المتعة” (3). وخلاصة القول، استخدم السياب وغيره من شعراء المهجر وجماعة أبولو وفرسان الشعر الحديث بشكل عام، الرمز كأداة لنقل الوجدان ولمس وعي المتلقي العربي ولكن بأصابع غربيه غريبه عليه قد لا تصل بالسهولة المرجوه إلى طبيعة العربي.

ويبقى التساؤل عالقا بالأذهان، عن سبب استخدام الشعراء العرب للرمز الغربي والإغراق في استخدامه والبقاء في عباءة الغرب كل هذه المدة بالرغم من تضوج التجربة العربية في مجال الشعر الحديث. ما الذي يدفع الشعراء العرب بالبقاء تحت مظلة الرمز الإغريقي واليوناني والروماني والفارسي ، والصد عن الرمز العربي القديم أو الحديث كأداة بإمكانها الولوج إلى أعماق القاريء العربي ومكنونه وإحداث أكثر أثر ممكن في داخله بسهولة ودقة.

أشعار عربيه حبلى بأساطير غربيه

من وجهة نظري، فإن هذا الإغراق في استخدام الرمز المنتمي إلى الثقافة الغربية، يعود بالأساس إلى الإنبهار العام الذي يذهلنا معشر العرب بهذه الحضاره بقديمها وحديثها، أو أنه إنما الولع بما يفعله المعلم الأول، بما أن الشعر الحديث إنما هو نتاج تأثر مباشر بالشعر الحديث في الغرب، وبالتالي فمن المتوقع أن يبقى شعراء العرب موصولين بمشيمة خفية بالأم الأدبية المتمثلة بالغرب. ومن وجهة نظري، فإن هذا التأثر ليس بالأمر السلبي، فأنا من مشجعي الإحتكاك بالثقافة الغربية وأخذ نواتها وترك قشورها، والبتالي فتلك الرموز الغربية العاصفة بالشعر العربي الحديث هي أمر أتقبله عند قرائتي للشعر العربي الحديث، ولكن يبقى إنسان الشارع العربي الذي لم يحتك بهذه الثقافة بعيدا عن فهم الشعر الحديث بسبب بعد المسافه بينه وبين ذلك الترميز المبهم بالأساس والمتوشح بأوشحة غربية الصبغة لا معرفه له بها.

ولكني بطبيعة الحال، أجد بعض الشعراء العرب، يميلون إلى استخدام الأسطوره الغربية في أشعارهم من باب استعراض العضلات المعرفية أمام جمهرة الشعراء، مما يدفعهم إلى المغالاة في استخدام الرمز والأسطورة الغربية حتى لتبدو القصيدة إحدى قصائد هوميروس حبلى برموز مستقاة من حرب طرواده ، مثقلة بحكايا الآلهة الإغريقية وقصص الحب الوثنية.

وقد يفكر البعض أن هذا الإستخدام المفرط في الأساطير الغربية ما هو إلى قفزة نحو العولمة الفكرية، والتواصل مع الآخر الغربي. وإني إذ ذاك ليخيل إلي أن شعراء العرب الحداثيين يميلون إلى الأساطير الأوروبية بصورة خاصة، تاركين ثقافات العالم المليءة بالأساطير الجميلة مهملة، كالثقافة اليابانية، وثقافة المايا المندثره، وثقافات أفريقيا الأخرى، التي تنتمي هي الأخرى إلى العالم. ومن واقع قرائتي للعديد من الشعراء العرب أمثال السياب ونعيمه وأدونيس وجبران وغيرهم(5)، فإني أرى أن شعرائنا العرب لا يعولمون شعرهم بقدر ما أنهم يصبغونه بصبغة الشعر الإنجليزي والفرنسي والأمريكي، مراكز القوة الفكرية التي انطلق منها الشعر الحديث. وإن ذلك لهو ما دفع شعراء مثل خليل مطران إلى الإنطلاق نحو الرومانسية الفرنسية في أوائل القرن العشرين ، كما انطلق شكري إلى كتابة شعر يشبه إلى حد ما الثقافة الإنجليزية التي كان متيما بها. ويحتم علي الصدق أن أقول أن هذا التأثر أعطانا هذا التنوع الجميل في الشعر العربي، برموزه وأساطيره، ولإني أرى أن في هذا الإستقاء المباشر من رموز وأساطير الغرب أكبر فائدة، فالشعر العربي الحديث إذا ما ترجم، سيصل بلا شك إلى قلوب الغربيين، الذين يحفظون هذا التاريخ الأسطوري عن ظهر قلب. ولعل ما لم يصل إلى المتلقى العربي البسيط من شعر العصر الحديث بسبب طلاسمه وفلسفته الغربية ، أن يصل إلى الغرب الذي منه خرجت هذه الطلاسم.

تلخيصا لكل ما قيل، فالشعر العربي الحديث يتميز عن نظيره القديم بوفرة الرموز التي غابت عن القديم والتي أضفت على هذا الشعر المعقد تركيبته المعقدة وغموضه الفلسفي. فهذا الشعر تحدى الزمن بإستخدام الرمز، فغاب الزمان اللحظي عن معناه، واستبدله برموز وأساطير أعطت له معنا يتجدد بتجدد الزمن والقاريء. كما أن هذا النوع من الشعر استخدم الرمز لتوضيح دلالات معقده، لا يوضحها إلا رمز يمكنه تمثيل معانيها المعقدة للقاريء المغموس أبدا في تعقيد الحياة والمجتمع. وتتحدث المقالة بصورة مختزلة عن الإغراق العربي في استخدام الأسطوره الغربيه بكل ما تحمله من تناقض، وإسقاط هذه التراميز والأساطير على الواقع العربي، مع ترك القاريء العربي البسيط مهملا لا تصله المعاني بسبب أقفال الرموز الغربيه التي لا تفتحها المفاتيح العربيه. وفي نهايته، يتناول المقال أسباب إسباب هذا الإغراق في استخدام الرمز الغربي وتلخص في أسطر متواضعة حقيقة هذا الإفراط وجمالياته المحتملة في الشعر العربي الحديث.

About these ads

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: