Posted by: salemarabic | March 25, 2008

السيد المحترم

قصة قصيرة

كان صوت إحتكاك إطارات السيارة الفارهة الحمراء التي غزت الشارع منذ دقائق يتردد صداه عاليا في أرجاء الحي الشمالي. ترجل صاحب السيارة على عجل. لم يكن منتبها إلى الشيء الذي صدمه، أهو حيوان أم إنسان، أم برميل قمامة، ولكنه شعر بالكتلة الثقيلة التي هوت على مقدمة سيارته قبل أن تقذفها قوة الصدمة على طرف الشارع. كان من المستحيل التفريق بين أي شيء في هذه الظلمة الحالكة، ورائحة الكحول المنسكب من زجاجة الويسكي لازالت ندية تفوح من السيارة. سرعان ما أصابه الهلع وهو ينظر إلى تلك العباءة السوداء التي كشفت من تحتها عن وجه ممزرق لامرأة إنفجر الدم من عروق رأسها، مكونا بركة دافئة من الدم القان تحتها، وتناثرت من حولها أرغفة خبز كانت تسكن كيس النايلون الأزرق الذي كانت تحمل، ويرقد بعيدا عنها صحن إنكسر وانسكب ما كان فيه.

لم يدر ماذا يفعل، كاد أن يحملها إلى المشفى القريب، ولكن دارت في رأسه الوساوس كخفافيش تبحث عن مخرج . ماذا لو أنها ماتت؟ ماذا سيقول عنه الجميع إن علم أنه قتل إمراة، حتى ولو كان ذلك بسبب حادث؟ سينتشر الخبر كرائحة الكحول التي تفوح من سيارته الآن، سيقولون أن “السيد المحترم” صدم امرأة وهو مخمور. لا يستطيع أن يغامر ، إنه رجل أعمال معروف، ولا يستطيع أن يدمر سمعته التي بناها في لمح البصر، بسبب حادث مؤلم كهذا .حاول أن يبرر لنفسه أنها هي التي عبرت الشارع دون إنتباه، ولكن طرف سيارته كان مستقرا على الرصيف، حيث كانت تمشي. فكر أن يأخذها إلى المستشفى القريب، وأن يعالجها على نفقته، ولكن الموضوع فيه سجن، ومحاكم، وسيعتقل لا محالة، ورائحة الكحول اللعينة لن تفارقه وهو يأخذها إلى المستشفى. فكر أن يتركها في المستشفى، وأن يهرب، ولكن الممرضين والأطباء وبواب المستشفى سيبلغون عنه، خاصة أن سيارته سيارة فارهة جدا، ومن الصعب أن تمحى صورتها من الذاكرة. ماذا يفعل إذا؟ فكر أن يبلغ الشرطة، وأن يهرب من المكان، ولكنه سيعرفون رقم هاتفه النقال، وحتى لو فكر بالإتصال من هاتف عمومي، فإن هذا الحي اللعين يفتقر إلى الإضاءة، فما بالك بالهواتف العمومية. لم يكن الكحول الذي يجري في عروقه ليسمح له بالتفكير السليم، وظلت فكرة الهرب تراوده في الثواني التي قضاها يفكر في الوضع . الوقت متأخر الآن، والشرطة ستشك في أنه هو من صدمها، لا يستطيع أن ينكر، ورائحة الكحول تفوح منه، كرائحة صفيحة الزبالة في آخر الشارع. تلفت، لم يكن هناك أحد في الشارع يراه. سمع صوتا خافتا في صدره يفح كالأفعى: ” أتركها، أهرب، قد تكون عاهرة ، كثيرات هن العاهرات في هذا الشارع، ليس لهن قيمة، أنج بحياتك”. لم يفكر كثيرا، غمس ضميره في زيت اللامبالاة الحارق، وانطلق بسيارته مبتعدا.

قريبا من ذلك الشارع، كان هناك بيت صغير يتوارى خلف بيوت صغيرة أخرى، متراصة في عشوائية، متشابهة في فقرها. كان في ذلك البيت صبييان، أحدهما في العاشرة، والآخر في الخامسة، يجلسان بهدوء وترقب، ينظران عبر قضبان النافذة إلى ظلام الزقاق الموحش ، وينصتان بإمعان، علهما يسمعان قرع نعلي أمهما العائدة بذلك الطعام الذي وعدتهما به منذ ساعات. لم تعد أمهما أبدا. وبقي صوت الجوع يعول في الغرفة الصغيرة.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: