Posted by: salemarabic | March 25, 2008

الظرف البني الكبير

قصة قصيرة

يضع ورقة كلينيكس على الطاولة السوداء الصغيرة المقابلة له، ثم يضع فوقها كأس الشاي الأحمر الساخن، يمد يده لا شعوريا إلى طرف الكنبة السوداء الجلدية التي يجلس عليها، باحثا عن نظارته الطبية، فتصطدم يده بالفراغ. يتنهد بحنق، ثم يقوم بتثاقل باحثا عن نظارته. يجدها على طرف مكتبه، بجانب برواز خشبي صغير، ذهبي الأطراف يحتضن صورة ابنته الصغيرة ريم، لازال يدعوها صغيرة، وهي التي امتلأت واستدارت، وغدت في العشرين. يبتسم وهو يرى صورتها وهي لا تزال في الخامسة، تشد شعرالمربية، وتضحك بحبور. يتوجه إلى الأريكة من جديد، وتلك الإبتسامة الراضية لا تفارق شفتيه. يجلس، ويسمح لجسده بتلك الثانية التي تفصل بين شعور الراحة، وشعور التعود على ملمس الجلد اللذيذ. يضع النظارة الطبية السميكة ذات الإطار الذهبي على أنفه، ويستل المظروف البني الكبير الذي كان يتوسط بريده الصباحي المعتاد. كان مظروفا ورقيا عاديا، ولكنه شعر بشيء من التوجس، خاصة أن ركن الطابع البريدي كان خاليا، وهو أمر غير معتاد، مما يعني أن هذا المضروف قد تم دسه بين البريد. مد يده ليفتح طرف المظروف، ولكنه شعر باهتزاز خفيف، جفل، شعر أنها هزة أرضية من نوع ما، ولكن الإهتزاز كان متواترا، أدرك حينها أن هاتفه النقال يرن في جيبه. مد يده داخل جيبه، اصطدمت أصابعه السميكة بالملمس البارد للهاتف، أخرجه ببطء، كاد أن يضغط على زر الإجابة، ولكن الهاتف كان قد توقف عن الإهتزاز. نظر إلى رقم المتصل بعين متفحصة، كانت ابنته الحبيبة ريم، لابد أنها متوجهة إلى الجامعة، ابتسم في رضى، ترك الملف من يده على الطاولة، وعاود الإتصال بها، ولكن هاتفها كان مشغولا، فكر، لابد أنها تتصل به من جديد. انتظر، وسمح لتلك الذكريات أن تأخذه بعيدا.

عندما ولدت ريم، شعر أنه يمتلك العالم، وكان لا يمتلك من ذلك العالم في الحقيقة، إلا حلم صغير، بأن يكون أقوى رجل في المدينة. اشتهى الريح، فواتت سفنه بما يشتهي هو، وأصبح في غمضة عين، مديرا لأكبر شركات المدينة. نظر إلى البعيد، إلى ما وراء جدران المكتب الزجاجية المطلة على مدينته، مملكته الصغيرة التي بناها حرفيا بقدرته وإرادته. كانت سنوات مزدهرة، جميلة، تعب فيها نعم، ولكنها أثمرت. تلمس طرف السجادة الفاخرة التي تقبع تحت قدميه، وتمتع للحظة بنعومتها التي اعتاد، وفكر في أولئك الذي وقفوا في وجهه، في الذين حاولوا منعه من امتطاء الريح التي ستأخذه إلى عالم آخر، حيث المال، والنفوذ. أين هم الآن؟ تسائل، إنهم في الحضيض. نعم كانت هناك مكائد، دسائس، عمليات قتل، ولكن كل شيء كان مبررا. إنها الحرب، وفي الحرب، يكون كل شيء مبررا. لقد انتهت هذه الحرب، وانتصر هو انتصارا ساحقا. انتبه من سرحانه الذي أخذه إلى عالم الماضي بجماله وقبحه، وعاد يتناول ذلك الملف البني الكبير، يفتحه بهدوء، يمد يده بداخله ليخرج ما فيه. سمع طرقا خفيفا على الباب، سمع صوته يخرج متحشرجا، كأنه يخرك من معدته، وهو يقول: ” تفضل”. فتح الباب على مهل، وأطل وجه رجل متغضن، دقيق الملامح، صغير العينين. كان ذلك هو رفعت، محامي الشركة. خفق قلبه وهو ينظر إلى وجه رفعت المتوجس. قلما حمل هذا الرفعت خبرا جيدا إليه، خاصة في هذه الفترة من الصباح. شعر أن كارثة ما في الأفق، سمح لرفعت بالجلوس قريبا، على أريكة مقابلة، وحثه على الكلام. كان صوت المحامي متقطعا، لاهثا، نازفا. كان يحاول الدخول في الموضوع، ولكن كل الطرق كانت تقذفه بعيدا عن مبتغاه. شعر رفعت المحامي بالاختناق، وأخذت قطرات العرق الباردة تتصبب من على جبهته الأرجوانية المتجعدة، مسح أنفه أكثر من مرة، وعدل من جلسته آلاف المرات. كان يدرك تماما، أن ما سيقوله الآن، سينهي أشياء كثيرة، وأن حيوات عدة ، ستنتهي مع تلك الحروف التي سيقولها. شعر أن فمه ينزف الكلمات، وشعر أن لا مناص من إلقاء الخبر كما هو. قال بصوت متهدج: ” الشركة، يا سيد …. في مصيبة، خسرنا كل أسهمنا في السوق، ونحن على شفير الإنهيار، الشركاء رفعوا دعوة قضائية على الشركة، كارثة”. إنتفض، كاد أن يجن، أن يقتلع لسان رفعت المحامي، أن يرميه من هذا العلو الشاهق، ولكنه كابر، وعصر نفسه ليبقى هادئا. بقي بلا حراك، يهز رأسه كأنه يستوعب الخبر، وفي داخله عاصفة من التساؤلات. كان يجب أن يكون صامدا، إن اهتز، ولو للحظة، ستنهار هذه الشركة، سيهرب الموظفون، كجرذات تقفز من باخرة تغرق. يجب أن يكون حازما، أن يكون صلبا. هل يعقل أن ينهار الحلم الكبير، أن تخسر الشركة، أن يسقط في واد الظلام الذي كان يعيش فيه سابقا؟ لا، مستحيل، ولكن الأحداث التي توالت في الدقيقة التي تلت انصفاق الباب خلف رفعت المحامي كانت كفيلة بأن تدمر كل شيء. تواردت الإتصالات، وكانت الهواتف ترن كشياطين تضحك، تسخر منه، تأكدت الأخبار، السوق إنهار، والشركة خسرت المليارات، كل شيء إنهار في لحظة. كيف يعقل أن تنهار شركة في لحظة؟ يجب أن يقف على جميع الزوايا، وأن ينظر، وأن يفهم، إن هذه الشركة هي حياته التي صارع من أجليها، هي المصير الذي قاتل من أجله، لقد قتل خصوما، ودبر مكائد لكثيرين وقفوا في وجهه. كان كقطار الأنفاق الجديد الذي يمر أمام مكتبه، لا يتوقف إلا في محطات معينة، حيث ينتظره المال، المال وحده. قضى بقية اليوم، في أجتماعات مع مجلس الإدارة، كانت العيون تلومه في صمت، وكأنه هو الذي سبب هذا الإنهيار.

لقد فعل كل شيء من أجلهم. أم أنه فعل كل شيء من أجل نفسه، ومن أجل عائلته؟ ولكن أين هي عائلته؟ زوجته ماتت، ولم يبق له إلا ريم، ريم الحبيبة، ابنته الوحيدة. كان يحاول أن يكون صامدا، صلبا، قويا كالثور، وهدد وتوعد، ووقع الكثير من القرارات، وطرد الكثيرين في فورات الغضب في الاجتماعات التي خاضها في ذلك اليوم. شعر أنهم يقفون ضده، وأنهم يتخلون عنه، كان أكثر الشركاء قد باع أسهمه، وتوقفت مشاريع الشركة بأكملها. شاعت الأخبار في لحظات أن الشركة تغرق وتوالت عليه عروض البيع. هل يبيع عمره، حياته، شركته التي قاتل من أجلها؟ لا لن يبيع. سيصمد، سيقاتل. ولكنه لا يستطيع أن يقاتل وحده، إن من يقاتلهم اليوم، هم الذين كانوا يقاتلون معه، إنهم يعرفون أسلوبه في الحرب، طريقته في الإلتواء، يعرفون كل حركة يفكر أن يقوم بها، ويعرفون كيف يبطلون كل ألاعيبه. جلس على تلك الأريكة ذاتها التي كان يجلس عليها عندما صعقه الخبر هذا الصباح، ولكنه شعر أن جلد تلك الأريكة، أشبه ما يكون مصنوعا من أشواك سامة. أشعل سيجارته الألف، وأخذ ينظر في سقف المكتب، قام، دار على أركان المكتب، تلمس الزوايا، الأثاث، السجاد، منفظة السجائر، كل شيء، لاحظ للمرة الأولى أنه بقي في هذا المكتب أكثر من اللازم، وأنه يعرف تماما كل تفصيلة فيه. تمنى الآن أنه قضى وقتا أكثر مع ريم، إبنته الوحيدة، التي تنتظره الآن، بوجهها الطفولي، ونظرتها العذبة. نعم ريم، إنها تنتظره الآن، قد يكون قد خسر كل شيء، كل شيء حارب من أجله، ولكن ابنته لازالت معه، ستنقذه برائتها الطاهرة التي تشع من عينيها، ستقف هي بجانبه، ستحميه من إنقلابات الزمان. تمنى اليوم أن يكون معها أكثر، أن يربيها، عوضا عن أساطيل المربيات الاتي كان يختارهن لها من كاتالوج مكتب الخدم، كقطع الأثاث التي كان يشتري عندما يعود من سفراته المتقطعة من إيطاليا.

انتبه إلى ذلك المظروف البني الكبير الذي كان متربعا على الطاولة، تماما حيثما تركه هذا الصباح، قبل هذه الكارثة. أمسكه بيده، وكأنه يمسك الحياة، ونظر طويلا إليه، وقلبه بلا اكتراث، وشعر أنه كهذا المظروف الآن، بلا قيمة، ولا منزلة. فتحه، نظر داخله، كانت صورة واحدة تقبع متربصة بداخله. كانت الإضاءة خافتة، فلم يتمكن من رؤية هذه الصورة، أشعل المصباح الجانبي القريب من الكنبة، وبحث عن نظارته، فوجدها على طرف الكنبة، حيث يبقيها دائما. نظر إلى تلك الصورة، واحتاج عقله إلى ثانية كاملة لتحليلها، وفهم الموجود فيها. كانت ابنته الحبيبة، ريم، عارية تماما، وتحتضن شابا ما، ونظرة شهوانية متعطشة تقفز من عينيها. كمن هوى على رأسه جبل من حديد، سقط على الأرض، بعينين مفتوحتين، وصدر خامد، بجانب رأسه نظارته الذهبية، مكسورة، وبقايا حلم ميت، حارب من أجله طوال أيام حياته.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: