Posted by: salemarabic | March 25, 2008

نهاية الحرب

قصة قصيرة
تجلس على ذلك الرصيف، منتظرة ذلك الباص الأحمر الكبير ، الذي سيأخذها إلى الجنوب، حيث الفرار من جحيم الحرب إلى سلام الحب. تخرج من حافظة نقودها السوداء الصغيرة صورة قديمة له، تآكلت أطرافها من كثرة إمساكها بها في تلك الليالي الحزينة، تتذكره وتبحث في خبايا الذاكرة عن جملة قالها لها فأسعدتها، أو همسة لذيذة أذابتها في وجهه الدائري الطفولي. ذهب إلى الحرب، وتمنت لو أنه لم يذهب، أخبروها أن الإمبراطور إستسلم ، وأن الحرب ستنتهي في غضون أيام. فرحت، وحسبت أن الجنود سيعودون في غضون أسابيع إلى مدنهم، وإلى أحبائهم. كانت تجلس على ذلك الرصيف، وكان الناس يخرجون من بيوتهم متجهين إلى أعمالهم ، ومع مرور الدقائق، إزدحم المكان بمنتظري الباص الذي سيأخذ الجميع إلى وجهته المنشودة.

كانت هي تفكر بالجنوب الآن، بذلك المكان الهاديء الذي ستعمل في إحدى مزارعه الكثيرة، وتحلب الأبقار وتصنع الجبن، ثم تنام كل ليلة قريرة العين، تنتظره إلى أن يعود من الشرق، حيث الحرب كانت تدور. كانت كلما سمعت بخبر إنفجار في الشرق ، ترتعد ويغوص قلبها في بطنها ألف مرة. كانت أخباره قد انقطع لما يزيد عن شهر، إلا أنه اتصل منذ أيام، وأخبرها أنه ذاهب إلى الجنوب، حيث الهدوء والسلام. طارت من الفرح حينها، ولكنها لم تخبره أنها تحبه، لم تكن لتجرؤ، ولكنها ستخبره اليوم، عندما يلتقيان في سكة الحديد، تلك الممتدة بين الشمال والجنوب. ستخبره أنها أحبته منذ اللحظة الأولى، عندما رأته بزيه العسكري في مكتب البريد، عندما كانت ترسل الرسائل إلى عمها في الجنوب. لم تخبره أنها قادمة إلى الجنوب، أوهمته أنها ستفكر قليلا، ولكنها لم تستطع الإنتظار، فجمعت ما تستطيع من مال، وأخذت حقيبتها منطلقة إلى محطة الباص، وها هي الآن، في هذا الصباح الجميل، تنتظر الباص الذي سيأخذها إلى الحرية.

في مكان آخر، كان هو يجلس في ذلك الباص الأحمر المتجه إلى محطة الباصات في الشمال. كان قد ترجل من القطار العائد من الشرق للتو، كانت الحرب قد انتهت، ولكنه لم يستطع البتعاد عنها أكثر، فهرب من المعسكر، واستقل القطار إلى الشمال، ليأخذها إلى الجنوب، حيث الحب والحرية. ترك الأمر مفاجأة، وشعر أنه لو لم يذهب إلى الشمال ليحضرها، فإنها سترفض الذهاب إلى الجنوب، كان يدرك تماما مدى حبها لأمها العجوز ومصنع الأحذية الذي كانت تعمل فيه، وأزهار الربيع الجميلة، ورائحة البحر النائم أبدا قريبا من بيتها الصغير. يتذكرها الآن، بشعرها الأسود الفاحم، وبنظرتها الناعسة، ونظرة الرضى التي لا تفارقها أبدا. سيقول لها أنه يحبها اليوم، وسيأخذها شائت أم أبت، إنها لن ترفض الحب، وستختار الذهاب معه إلى الجنوب لا محالة. يتخيلها الآن، في فستان أبيض جميل، تمشي برضى في ساحة المنزل الذي سيبنيان، وأطفالهما يتراكضون خلف قطة صغيرة في فناء المنزل الأمامي، ويلوح هو لجيرانه السعداء البسطاء قبل أن يذهب إلى عمله كل صباح. خطط لهذا اليوم منذ الأزل، وكان يراها أمامه في كل شيء وهو يحارب، كان يطلق الرصاص، وهو يراها، ويصلي لكي لا يموت، فقط لكي يراها، وهاهو الآن، لا يفصله عنها إلا لحظات. سيقرع بابها، ويأخذا بعيدا عن هذا الشمال الفقير.

في السماء، كانت هناك نقطة سوداء تسقط بسرعة رهيبة من طائرة صغيرة كانت تحلق فوق المدينة. أشارت الساعة إلى الثامنة والربع في يد الطيار الذي كان يحاول الإبتعاد عن المكان بأقصى سرعة ممكنة. تمر تلك النقطة السوداء البعيدة بين سرب للطيور، تقترب أكثر من الأرض، ينظر الطيار مرة أخيرة على المدينة، ثم ينطلق بعيدا. كانت هي تنظر إلى البعيد، إلى ذلك الباص الأحمر، الذي كان على وشك أن يأخذها إلى الجنوب، وكان هو ينظر من النافذة، ليلمحها تجلس على الرصيف بحقيبتها المكتنزة ونظرة الرضى تلك تطفو على وجهه الجميل، شعر أنه أكثر الرجال حظا، أهو القدر شاء أن تلتقيه في ذات الباص الذي يعود فيه ليأخذها؟ تركب الباص على عجل، فتراه، فيقفز قلبها من مكانه فرحا، يقوم ليحتضنا، يكاد أن يلمسها، أن يضمها إلى صدره، أن يقول لها أنه يحبها. ترتطم تلك النقطة السوداء بالأرض، في مكان ما بعيدا من موقف الباصات، فيرتج كل شيء، ويشع نور غريب من ذلك الموضع، ويستحيل كل شيء إلى غبار.

بعيدا، وفي طائرته، يمسح الطيارالأمريكي تلك الدموع التي تجمعت تحت عينيه، لا حزنا على مئات الآلاف من البشر الذي بخرتهم قنبلته الذرية، وإنما من قوة الإنفجار الذي مسح مدينة هيروشيما في جزء من الثانية.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: