Posted by: salemarabic | March 27, 2008

الشيطان في الطائرة

أمسك بسماعات الرأس الملقاة أمامه على صينية الكرسي المقابل ووضعها بامتعاض على أذنيه محاولا منع صوت تلك الفتاة الصغيرة المزعج من إفساد ذلك الهدوء الذي كان ينعم به قبل إقلاع الطائرة. ” الأطفال أحباب الله” قالت مضيفة الطيران وهي ترى نظرة الإمتعاض على وجهه وهي تخبره أن صاحبة الكرسي المجاور له هي فتاة في الثانية عشر من العمر تسافر بدون مرافق، ابتسم عندما علم أن فتاة صغيرة ستكون بجواره مما يعني أنها ستكون إما نائمة أو تشاهد مسلسلات الكرتون التي توفرها شركة الطيران على الطائرة، ولم يخطر له على بال أن هذا المخلوق المتوحش سيجلس بجواره طوال فترة الرحلة التي تستغرق بالعادة التسع ساعات. ” أحباب الله في عينهم” يتمتم وهو يضع السماعات بعصبية على أذنيه محاولا منع صوت الصراخ الغير معقول القادم من فم هذه الفتاة المجنونة ويفكر أنه أهلها كانوا من الذكاء بحيث تركوها تسافر وحدها، فما من مرافق قد يتحمل صوت آلة قطع الحديد هذه. كانت الفتاة ممتلئة ويكاد الدم يخرج من وجنتيها، كان شعرها مرتبا – في يوم من الأيام – وكانت تنظر إليه نظرة سجين على وشك قتل سجين آخر. تأخر إقلاع الطائرة نصف ساعة في انتظارها، فهي ابنة قبطان الطائرة، وبالتالي فهي لم تكن تحتاج إلى مرافق، لأن والدها هو من يوصلها حرفيا.

عندما جلست على الكرسي المجاور له، لم يكن من الصعب عليه التنبؤ أنها ستكون رحلة عصيبة، فأول جملة نطقت بها المشعوذة الصغيرة كانت: ” أنا لا أريد الجلوس بجانب هذا الرجل العجوز”. كانت عيناه على وشك أن تدمعان، تذكر الشعر الأبيض المغطي لرأسه بالرغم من سنوات عمره الثلاثين وبلع لسانه دون أن يعلق. إبتسم في وجه الفتاة ولكنها لم تبتسم، بقيت تلك النظرة المشمئزة قابعة على وجهها حتى موعد إقلاع الطائرة. ما أن تحركت الطائرة على مدرج الطائرات، حتى بدأ صراخ الفتاة، كأنها تمتطي بقرة ثائرة على وشك إلقائها في كومة أشواك مسمومة. كانت تصرخ وتصرخ وتضغط على زر المضيفة آلاف المرات. جائت المضيفة في عجلة وحاولت تهدئة الفتاة التي كانت تسافر لأول مرة في الطائرة. ” إبن البط لا يعوم دائما” قال الرجل مخاطبا المضيفة المسكينة المحاولة بشتى الطرق تهدئة الفتاة. سكتت البنت عن الصراخ والتفتت إلى الرجل عندما سمعت جملته، وقالت بكل ما تملك حنجرتها من طاقة: ” يعني أنا بطه ، أنا بطه ؟!! “، نظرت إليه المضيفة بفزع وشعرت أن كارثة على وشك الحدوث، فاختفت في لمح البصر. قال الرجل محاولا تهدئة الفتاة: ” إنتي وردة جميلة ، مش بطة ، أنا قصدي إن بابا طيار وإنتي تخافين من الطيران”. ضغطت الفتاة على زر المضيفة من جديد ، وصرخت في وجه المضيفة: ” هذا الرجل بيتحرش فيني، ناديلي بابا القبطان”. حارت المضيفة وهي تنظر إلى الرجل وهو فاغر فاهه مفزوعا: ” الكلام هذا صحيح يا أستاذ” نطقت المضيفة بصوت هاديء محاولة تجنب فضيحة كان تجنبها متأخرا جدا فرؤوس جميع الركاب كانت ملتفتة إلى حيث كان يجلس المسكين. قال ببطء وهدوء: ” أنا أب وعندي بنت صغيرة، ومن المستحيل إني أتحرش بأي حد”. قالت المضيفة للفتاة: ” ماذا قال لك هذا الرجل ” … عقدت الفتاة ذراعيها أمامها وقالت في تحفز ” قال لي إنتي ورده يا بطه “. حينها تشنجت أعصاب الرجل وانعقد لسانه وبقي يهز رأسه نافيا ما قالته الفتاة. طلب الرجل تغيير مقعده كنوع من إظهار حسن النية، ولكن المضيفة لم تستطع تلبية طلبه لأن الطائرة كانت مزدحمه، كانت الفترة فترة إجازات حينها. قالت المضيفة بهدوء للفتاة: ” أعتقد إنك أسأتي فهم هذا الرجل الطيب، هو لم يقصد التحرش أو أي شيء هو رجل جيد وعنده عائلة “. نظرت الفتاة بلا مبالاة وقالت: ” خلاص سامحته “. مدت الشاشة الصغيرة أمام وجهه ووضعت السماعات حول أذنيها وأخذت تبحث عن إحدى قنوات الأغاني الأجبنية. حمد الرجل ربه لهدوء هذا الشيطان الصغير وأخرج كتابا سميكا من حقيبة يده ووضع نظارته على أنفه متلمسا طرف الصفحه المطوي حيث توقف آخر مرة. بدأ يقرأ في هدوء تام ” وهناك أنواع كثيرة من الأفاعي في الغابات الإستوائية منها أفعى الأناكوندا، وهي أفعى غير سامه وضخمه …..” فكر في عقله ” كذب، فهذه الاناكوندا الجالسة بجواري سامة جدا ..”. لم يدم الصمت طويلا، فسرعان ما أزعجه صوت طقطقة الفتاة لأصابعها مع تلك الأغنية التي كانت تشاهد. إلتفت الرجل إلى شاشة الفتاة فلمحت عيناه أجساد عارية متمازجة في رقص خليع ماجن. غطى عينه في حركة لا إرادية فلمحته الفتاة، قالت بصوت عال وهي لازالت تستمع إلى الأغنية التي كانت على وشك تفجير أذنيها:” هذا هيب هوب، أكثر نوع أغاني كووول في العالم” . هز الرجل رأسه موافقا ونظرة امتعاض على وجهه، سرعان ما عاود القراءة محاولا تناسي صوت الطقطة المزعج والموسيقى الأشبه بقرع طبول الحرب في غابات الأمازون قديما.

مرت حوالي الساعة قبل أن يحين موعد الغداء، ولكم كان الرجل سعيدا، فأصوات بطنه كانت أكثر إزعاجا من صوت إيقاع تلك الأغاني التي كانت تستمع إليها الفتاة. قدمت المضيفة الطعام في أطباق كبيرة وملاعق فضية، فقد كان الرجل من رواد الدرجة الأولى. فتح الرجل حاوية الطعام ومد أصابعه إلى الشوكة ليأكل قطعة السمك الوحيدة الغارقة في ذلك الصوص الشهي الساخن، ولكن صوت الشيطان إنطلق من جديد. ” أنا أريد سمك مثل هذا العجوز”، قالت الفتاة وهي تنظر إلى صحنها الذي كانت تتوسطه قطعة شهية من اللحم الأحمر المطبوخ بعناية. كانت الفتاة تكره الخضار، وكان والدها القبطان قد أوصى المضيفة أن تجلب للفتاة صحنا من اللحم مع الكثير من الخضار. نظر الرجل إلى المضيفة المفزوعة وقال بهدوء: ” هل في الإمكان أن تحضروا وجبة مثل هذه للآنسة ؟ “. هزت المضيفة رأسها في أسى وهي تنظر إلى وجه الفتاة الغاضب وقالت: ” الوجبة إلي بين يديك يا سيدي كانت آخر وجبة سمك في المطبخ”. كان الرجل يعشق السمك، وخاصة هذا السمك المعد بالطريقة الفرنسية. تنهد ببطء قبل أن يأخذ صحن السمك ويضعه أمام الفتاة وهو يبتسم. ابتسمت الفتاة لأول مرة وهي تغرز شوكتها في قطعة السمك المسكينة وتلتهمها. قال الرجل للمضيفة: ” بما أن الفتاة سعيدة الآن، هل بالإمكان أن تحضري لي وجبة أخرى غير صحن السمك هذا؟” . هزت المضيفة رأسها متأسفة قائلة: ” للأسف سيدي ، فسياسة شركة الطيران تمنع أكثر من وجبة لنفس الشخص” . سمع الرجل صوت بطنه متحدا مع صوت قلبه الذي أخذ يخفق بقوه: ” يعني شو ؟ “. قالت المضيفة وهي تلصق ابتسامة دبقة على وجهها: ” من الممكن إنك تأخذ صحن الآنسة إذا ما كان عندها مانع”. نظر الرجل إلى صحن اللحم الشهي ومن ثم إلى وجه الفتاة الغائص في ذلك الصوص الشهي الذي كانت تغرق فيه قطعة سمك من أشهى ما يكون وقال بصوت رقيق: ” إذا كنتي لن تأكلي صحن اللحم هذا يا عزيزتي، هل من الممكن أن آخذه ، لأن شركة الطيران لن تسمح لي بطبق آخر”. غرزت الفتاة شوكتها في قطعة اللحم السميكة وابتلعتها وعلى وجهها ابتسامة واسعة، مضغت بهدوء كأنها تمضغ قلب الرجل، ثم قالت وهي تمسح فمها بمحرمة صغيرة: ” آسفة، أنا لا أشارك طعامي مع رجل يتحرش بالفتيات الصغيرات” .


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: