Posted by: salemarabic | March 31, 2008

سر صانع المفاتيح

الفصل الأول: [1]

“فقط أولئك الذين يفهمون، ستفتح لهم الأبواب”.
فكرت للحظة، من أي نافذة سألقي هذا الكتاب الذي في يميني، بغلافه البني السميك المحفور عليه عنوان الكتاب، بما يشبه الطلاسم المكتوبة باللغة الآرامية، كتاب أقل ما يقال عنه أنه أحجية أدبية مكتوبة في العصر الحديث، في زمن لم يعد للأحاجي أي أهمية. لا عجب أن هذا الجيل يفر هاربا من رائحة الورق، ويلتصق بأي شاشة كانت، إلتصاق البويضة برحم الأنثى بعد التخصيب. ألقيته على كومة الكتب المسترخية تحت أكوام من الغبار الهاديء المترقب لكف يدي العملاقة التي ستشقه في ما سيأتي من الزمن، باحثة عن كتاب لم يفقد عذريته بعد. مددت يدي إلى صديقتي الوحيدة، تلك الرشيقة التي تستلقي بجانبي بلا حراك، منتظرة أن أقرب شفتي المتعبتين منها، لأشعلها وأمتص الدخان منها بهدوء، متنفسا عبرها للحظة، قارئا ذلك التحذير الطبي الصغير: التدخين سبب رئيسي لأمراض وسرطان الرئة. في حقيقة الأمر، غدت المدينة بأسرها سببا رئيسيا لأمراض وسرطان الرئة، والمعدة، والدماغ، خاصة الدماغ، فهذه الترهات التي يحياها سكان هذه المدينة تأكل خلايا الدماغ بشراهة وشراسة، محولة إياهم إلى بقايا بشرية تمشي بتثاقل عبر مسالك حياتها القائضة الموجعة. كيف تحول هذا القطب الحار من هذا الشرق الأوسط، إلى مكب نفايات فكرية، لا أدري؟ قلبت في يدي تلك القداحه الذهبية التي أهدتني إياها منال في ذكرى مرور عشرة أعوام على إستلامي الوظيفة في القسم. كانت تبتسم ابتسامة عريضة تكاد تقسم وجهها إلى قسمين وهي تقول في حبور: ” هابي أنيفيرسوري Happy anniversary “، وتلك النظرة الخبيثة الطافية على وجهها الأشبه بلوحة صارخة لمونيه تقول: ” لم لا تصب بنزينا على رأسك، وتستخدم هذه الولاعة لإشعال النار فيه؟ “. منال، تلك السمجة، لكم أتخيلها مستلقية في سرداب أحد السفاحين، مقطعة ومخزنة في إحدى عشرة برطمانا مختلفا. أهديتها علبة سجائر في عيد ميلادها مع أنها لم تكن تدخن، ووضعت لها بطاقة صغيرة تقول: ” اختنقي !” ، حسبت نوال أن هذه الهدية إحدى نكاتي السوداوية الثقيلة، لم تكن تدرك المسكينة أنني كنت أعني ما كتب في البطاقة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

استرقت النظر من النافذة المواربة التي كنت أنفث دخان سيجارتي عبرها، وأرسلت البصر إلى الشارع المزدحم أسفل الشقة، وتناها إلى سمعي صوت أبواق السيارات الغاضبة وصوت اللعنات والسباب، وصوت المارة المختلط في ما يشبه بنشاز عازفي الأوركيسترا أثناء التحضير لمعزوفة ما. حتى هذا السم الذي كنت أتنشقه بمحض إرادتي، فقد طعمه، كما فقدت هذه المدينة طعمها. أطفأت السيجارة في فنجان القهوة الباردة الذي كان أمامي، وأغلقت النافذة بملل، باحثا في ذات الوقت عن مفتاح سيارتي المركونة على بعد ثلاثة شوارع، بسبب الزحمه القاتلة التي تمنعني من إيقاف سيارتي تحت البناية التعيسة التي أقطن فيها منذ الأزل. رن هاتفي النقال، لا بد أنه سعيد، صديقي المتفائل دائما، في زمن اللاتفائل، لن أرد عليه، فمزاجي لم يكن بحالة تسمح لي بسماع المزيد من العضات والعبر، خاصة من فم رجل لم يكن مضطرا في يوم من مواجهة الحياة، وكأنه يعيش في عالم آخر، سعيد مثله ، سلس، رياحه كما تشتهيها سفنه. من حقه أن يعيش كذلك ، فهو لم يتعب في حصوله على شهادته الجامعية المعلقة على جدران مكتبه الخاص في الدائرة، فالمال في هذا الزمان، يشتري آلاف الشهادات الجامعية، أما أنا ، فكان لابد لي من “التمرمط” في بلاد الغربة أربعة أعوام كاملة، لأعود بتلك الشهادة الثقيلة التي لا تساوي في هذه المدينة سعر الورق المطبوعة عليه، ولا تصلح في حقيقة الأمر إلا للف رزمة بقدونس في سوق الخضار. هاهي أمامي، علقتها على الجدار، لا افتخارا بها، وإنما لأخفي تلك الكوة التي تركتها محاولتي إصلاح الوصلات الكهربائية في الجدار، كان يتوجب علي فتح كوة صغيرة بحجم قبضة اليد لأصل إلى الأسلاك، ولكنني للأسف، أخطأت في تقدير مكان وجود تلك الأسلاك اللعينة، فبقيت تلك الكوة تطالعني كعين عملاق سمج لا يكل عن مراقبتي، فأخفيتها بشهادة الباكالريوس.

يتبع


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: