Posted by: salemarabic | March 31, 2008

الليلة الأخيرة بعد الألف

يمسك بسيفه المعقوف ويهرول خلفها في ممرات القصر، شهرزاد المسكينه إنتهت قصصها، ماطلت بتلك الحكايا حتى هذه الليلة، ولكن شهريار اللعين لازال يريد المزيد، بعد عشر أعوام على الحكايا والليالي الخيالية، إنتهى الإبداع، إنتهت قدرتها على تأليف أي مزيد.

طعنها في خصرها، ولكن النبيذ كان قد غشى عيناه بغمامة ثقيلة فلم يستطع غرز ذلك السيف أكثر، طعنته اللعينة في كتفه بخنجرها الذهبي، هدية الوزير والدها، ذلك الخنجر الذي بقي ملفوفا بقطعة من حرير أسود حول ساقها وهو غافل عنه. دماءه تقطر على رخام الممرات، وعيناه الثقيلتين تتبعان طبعات خطواتها الدامية التي يزيد إتساعها كلما تقدمت به خطاه.

شهرزاد، في آخر الممر، تحاول أن تفكر بقصة أخرى، تمسك بخاصرتها بألم، لقد جفت تلك القصص، ليس هناك المزيد، كانت تعلم أنها ستفقد قدرتها على تأليف أي مزيد مع مرور الليالي، سيقطع رأسها لا محالة إن لم تجد حلا، إما أن تعيش هي أو يعيش اللعين شهريار.

تترائى لها الآن رؤوس زوجات شهريار ، والجلاد يمسح سيفه بقطعة من حرير الأمير، ورأسه المغطى بذلك الغطاء الأسود يخفي وجهه الدموي المتعطش لدماء النساء.

تسمع صوت سيف شهريار يحتك بالرخام، لا بد أن يدى شهريار متعبتان، لم تكن طعنة خنجرها لتقتله، ولكنها استطاعت بلا شك أن تؤخره.

وصلت إلى باب الجناح الأميري، لو فتحت هذا الباب الضخم، سيراها الجالسون في مجلس الأمير، سيرونها ملطخة بالدماء ولن يسعفها صوتها لتكذب عليهم، سيعرفون أن شهريار طعنها، وبأنها حاولت قتله، وسيجهزون عليها في غمضة عين. خطوات شهريار خلفها ثقيلة، وصوته اللاعن لها ولقصصها يأتي متقاربا كأمواج البحر الغاضبة.

ما من مفر، إما أن تواجهه ، أن تقاتله من أجل حياتها، أو أن تركع على قدميها وتحني رأسها لشهريار اللعين لينفذ فيها وعده القديم، ذلك الإنتقام الأزلي من بني جنسها، لا لشيء ولكن لأنه فقد ثقته في النساء.

تمسكت بالخنجر الذي كان في يمينها، والت ظهرها لباب مجلس الأمير المغلق وواجهت الجهة التي سينبثق وجه شهريار منها بعد لحظة حاملا سيفه الثقيل في يده متوجها نحوها ليقطع رأسها. تنفست بصعوبه، ذلك الجرح اللعين كان ينز كقربة ماء مقطوعه، وقدميها لم تعودان تحملانها، صوت شهريار يقترب، خطواته ثقيلة، سيفه يحتك برخام الأرض، ثم صمت. صوت إرتطام عال يملأ الرواق، ثم صمت مطبق.

تحركت شهرزاد ببطء بعد انتظار طويل، توجهت بهدوء إلى مكان الإرتطام، عيناها على نهاية الرواق المنحنى حيث الجدار يخفي خلفه ما حدث، إلتصقت بالجدار، أمسكت بالخنجر أمام صدرها متحفزة، ونظرت تبحث عن شهريار. كان شهريار واقعا على الأرض وسيفه لازال في يمينه، عيناه مفتوحتان على إتساعهما ، والدم ينضح من ذلك الجرح الذي خلفه خنجرها. وجه مزرق وزبد مختلط بالدم يخرج من فمه وينساب عن وجهه إلى الرخام الأبيض النقي. هامد الجثة قبع هناك شهريار، إنحنت شهرزاد فوقه تتحرى أنفاسه، تنهدت بهدوء ، مات اللعين.

رفعت نفسها بصعوبه، ومسحت خنجرها في كفها من دمه وهي تعود إلى جناحها حيث طعنته، جرحت يدها وهي تمسح الخنجر، فانتفضت بألم، لسبب ما شعرت بإحساس غريب عندما جرحها الخنجر، وتسائلت عن إمكانية موت شهريار بطعنة خنجر صغير كهذا. تذكرت اليوم الذي أهداها فيه والدها. قال لها العجوز وهو يربت على رأسها ويعطيها الخنجر ملفوفا في قطعة الحرير الأسود ومغمدا في بيت مرصع بالزمرد: هذا الخنجر لعنة في قلب من يطعن به، جرح صغير يفضي إلى أبد من الفناء.

حسبت حينها أن والدها يبالغ، ولكنها تذكرت وجه يعقوب، صانع الخناجر الذي جاء إلى قصر والدها قبل ثلاثة أيام من زواجها بشهريار، تذكر همسه، تذكر كلمة ” مسموم” التي تكررت في حديثه مع والدها، هل يعقل أن يكون هذا الخنجر الذي في يدها مسموما ، هل يعقل أن تكون قد قتلت شهريار بخنجر مسموم قديم.

شعرت بالثقل في خطواتها وهي تعبر باب جناحها المشرع والملطخ العتباب بدمها ودم شريار، حاولت تمالك أنفاسها، ولكنها شعرت بالنعاس. مشت خطوات قصيره، ثم هوت على رخام القصر البارد وعيناها مفتوحتان على إتساعهما.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: