Posted by: salemarabic | April 20, 2008

إصنع حدثك الشخصي

إصنع حدثك الشخصي

في بشرية تعاني من آلام نفسية جراء نزاعات متواصلة وتخلف عاطفي خلفته سلسلة من الحروب الجشعة التي امتصت ما تبقى في أنفسنا من إنسانية، بات من المهم جدا علينا الآن أن نعيد بناء العالم، أن نعيد إلى تلك الوجوه المتعبة المتوارية خلف الدم والتراب ما نسيته من إبتسام وحبور. نحن، المنتمون أزلا إلى هذه البشرية بات من اللازم أن نصنع أحداثا، ربما صغيرة الحجم، ولكن هائلة الأثر، لنستطيع في يوم من الأيام أن نستحق هذا الإنتماء البشري الكبير الذي غصب منا في أتون حروب لم نخطط لها، ولم نفكر يوما في خوضها. ولكن يعجز عقلنا البشري المتعب من مشاكل الحياة وتعقيداتها، من التفكير في طريقة تمكننا من صنع هذه الأحداث، من هندستها لتناسب صراعاتنا الداخلية أولا ، والخارجية أخيرا. ونتسائل ربما عن ما يستطيع إنسان ابتلعته حياته اليومية أن يفعل ليجعل من هذا العالم مكانا أفضل وأكثر إشراقا، مكانا آمنا من جديد لؤلئك الخارجين من رحم الحياة إليها، القادمين إلى هذا العالم بأعين مغمضة وأيد صغيرة قابضة بتشنج على ما تعتقد أنه عالم جميل، مشرق، رائع التكوين، لتصدم لاحقا أن هذا العالم إنما هو حطام كوارث شخصية صنعتها أيدينا، ربما بدون قصد في لحظة عنفوان وغضب، في لحظة تدمير ذاتي خلف خلفه كارثة بشرية، فقرا وجوعا وبؤس. علينا نحن، الحاملين لهذا الإرث البشري، أن نصنع أحداثا تعيد كتابة التاريخ، أن تعيد تكوين العالم، تعيد حيواتنا الشخصية الحزينة إلى مدارات الفرح، بعيدا عن جحيم البؤس، بعيدا عن دخان المدافع وشضايا الغضب العمياء التي لم تترك خلفها إلا الدمار.

لنتفائل أولا، تفاؤلا جماعيا نهائيا، ولنفكر معا بأن باستطاعتا نحن، خلايا المجتمع وعناصره الأساسية، أن بإمكاننا إذا أردنا أن نساعد الإنسانية، أن نعيد إليها ما غسلته عنها أنهار الدماء وطواحين الجوع. علينا أن نتهيأ نفسيا قبل أن ننهال على جدار البؤس البشري بأيدينا التي ترفض الجوع والألم ،محاولين أن نثل هذا الجدار النفسي الذي يضيق علينا كلما مر الزمن. نحن، المرفهون البعيدون كل البعد عن غمامة المطر الأسود الذي ينهال بلى رحمة على شعوب قريبة جدا منا ولكننا لا نراها، لأننا ربما غرقنا في مشاكلنا الشخصية، لأننا ربما لا نشعر بذلك الخيط الخفي الذي يربطنا جميعا إلى قدر واحد، خيط من المشاعر عقده الله بيننا لكي لا ننسى أننا، برغم ظلم حياتنا اليومية وصعوبتها، بشر من خلق واحد، أن ننظر بعمق لما حولنا ونفكر بمعادلة تحل هذه المسألة المعقدة، مسألة الصراع اليومي مع الحياة. علينا أيها السيدات والسادة، أن ننظر حولنا قبل أن نصنع معجزاتنا الشخصية، لنرى أي بحر من البؤس سنشق بعصانا ونعبر بما نستطيع من ضحايا الحياة إلى مكان آمن من الحرية، إلى ضفة عميت عيوننا عنها، إلى نهاية النفق المظلم، إلى النور. ما أن نضع أمام أعيننا هذا هدف، ما أن نعاهد أنفسنا كلما استيقضنا لنسير كقطعان ضجرة إلى أعمالنا الروتينية اليومية، بأننا سنصنع أحداثا شخصية باستطاعتها أن تمسح الدمع نهائيا عن أعين اليتاما، باستطاعتها إرغام الشمس على أن تشرق من جديد على تراب متشرب لعرق الكادحين ودم ضحايا رحى الحرب ودموع أولئك الذين لم يطحنهم البؤس وإنما خلفهم خلفه شهودا على فضاعات سلبتهم سنوات عمرهم الزاهي تاركة إياهم أجذاع نخل بالية ، منحنية، لا تهزها نسائم التفاؤل ولا رياح التغيير.

حينها فقط، بإمكاننا أن نتبعثر في متاهات الحياة، حاملين خرائط مفصلة للفرح، نخرج من نستطيع من هذه المتاهات نضعهم على الطريق، نزرعهم في العالم من جديد، نعيدهم إلى البشرية الجديدة التي ستقوم من رماد الحرب وتنفض عن جناحيها غبار الألم وتحلق عاليا في سماء من السعادة، بعيدا إلى زرقة من الفرح تعيد إلى تلك الوجوه المتعبة شيئا من الحبور، شيئا من الأمل. وهذه الأحداث الشخصية، هذه الأفعال الفردية التي عاهدنا أنفسنا على فعلها، يجب أن تكون من منطلق إنساني صرف، وقد تتراوح بين مساعدة طفل صغير على التعلم، أو التخفيف عن أرملة فقدت نصفها الآخر، أو بناء بيت يأوي عائلة مر على بيتها إعصار الفقر والبؤس. باستطاعة هذه الأحداث الصغيرة والتي لا تستلزم الكثير من الجهد والعناء أن تحسن من حيوات الآخرين، أن تبعد عنهم الإحساس بالدونية وعدم الإنتماء إلى هذا المجتمع. علينا نحن البعيدون عن المعاناة، أو الذين ذاقوا البؤس في مرحلة ما من حياتهم ولكن انقلبت حياتهم في ما تلى من الزمن إلى حياة أفضل ، أن نطلق أيدينا بلى حساب مصححين ما اعوج في حياة الآخرين، أن نبعد عنهم شبح الفقر والجوع، أن نصارع نحن حياتهم البائسة إذا ما يئسوا من صراعها وأن نصنع أحداثا صغيرة في حياتهم تمكنهم من الإنضمام إلينا ليكونوا عونا في هذا المجتمع، فمن أفضل من رجل بائس قتل بؤسه في مساعدة رجل بائس آخر.

علينا أن نخرج من قماقمنا، كجان أقوياء نحقق الأماني لأبناء هذا المجتمع وما جاوره من مجتمعات أقل حظا منا، علينا أن نحمل معاولنا بأيدينا ونبني لهم بيوتهم بأنفسنا، علينا أن نخبز خبزهم اليومي ونطعمهم إياه لو اقتضى الأمر، علينا أن نكون أعين من فقدوا أبصارهم، وقلوب من ضعفت قلوبهم، أن نكون نحن الغائصون في مشاكلنا اليومية الصغيرة، حلا لمشاكلهم اليومية التي قد تعني الحياة والموت لهم، علينا باختصار أن نصنع جميع هذه الأحداث، لا أن ننتظرها.

تخيل معي، أغمض عينيك وانظر إلى عالم لا بؤس فيه، اسمع خفق أجنحة جراد الجوع تبتعد عن هذا الحقل البشري الكبير الذي زرعنا سوية، انظر إلى تلك البيوت التي بنينا معا، إلى تلك الوجوه السعيدة، إلى الشمس تشرق من جديد علينا جميعا وتمنحنا شعورا رائعا من الإنجاز، من التفاؤل والأمل. كل ما يتطلبه الأمر، كان حدثا شخصيا صغيرا لم ننتظر حدوثه وإنما صنعناه نحن بأنفسنا.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: