Posted by: salemarabic | April 23, 2008

[1] عشر ثوان على نهاية العالم

[1]

مقطع: من نص لم يكتب بعد ( عشر ثوان على نهاية العالم ).

“السائرون في الجحيم تقيدهم خطاياهم، تحين منهم إلتفاتة إلى الجنة ويتنهدون. لا تلبث يد جلادهم أن تشد على أغلالهم، فيعودون إلى جحيم تأنيب متأخر للضمير. يمسحون عن أنوفهم بقايا تراب حذاء إبليس ، ذلك المعتوه السائر أمامهم يقودهم في ظلمات العذاب، كما قادهم في حياتهم في ظلمات الحياة. ذلك الأبله، بالكاد يستطيع حمل نفسه. يهوي جلاده عليه بأعنف ما يكون. ينظر إلى السائرين خلفه، يغص بالمرارة ، ثم يتعثر بمصيره البائس”. يكسر القلم، ويرميه في سلة المهملات، مع أقلام الرصاص الصغيرة التي إلتهمتها مبراته بهوس وهو يحد من طرفها ليكتب. لم يتعود حتى الآن على الطباعة والتحديق بجهاز الكمبيوتر اللعين القابع في غرفته كشيطان رجيم، وحده الله يعلم كيف يعمل هذا الشيء. أزرار كثيرة، أصوات، أشياء تتطاير في الشاشة.

عشر ثوان على نهاية العالم، أعادته هذه الجملة إلى الحاضر، إلى الآن ، إلى هذا العالم الذي لم ينتهي بعد ، إلى هذا العالم الذي يبدو له أنه لن ينتهي أبدا. يقلب الورقة التي كتبت عليها تلك الجملة المتشائمة ويقشعر جسمه للحظة، ثم يقربها من أنفه، يبحث عن هوية مرسلها من رائحتها. اشتم رائحة عطر نسائي فاخر، قريب إلى رائحة البنفسج، تشوبه رائحة شيء أشبه ما يكون بالبنزين. يضع الورقة في منصف كتاب أسود الغلاف، إحدى تلك الكتب القديمة المتبعثر على مكتبه الصغير، لوح خشبي ممسمر بسيقان خشبية، أقرب ما تكون شبها بساق قرصان بيتربان بيده الخطاف وتلك العصابة التي يخفي بها عينه المفقوئة. ” مكتب، هذه مزبلة ” يتمتم وهو ينظر إلى الجدران الشائخة والبلاط المصفر الذي تفوح منه رائحة الديتول، كأنه يعمل في مستشفى حكومي في منطقة نائية. ينظر إلى اللوحة الفنية الصغيرة المعلقة على الحائط، تلك التي أصر المدير أن توضع في كل المكاتب، كنوع من التحضر وإدخال السرور في قلوب المراجعين. يسعل، تكاد رئتيه أن تخرجان من حلقه، يتنحنح، يخرج سيجارة ويدسها بين شفتيه. يحاول فتح نافذة المكتب ولكن دون جدوى، كانت عالقة في صدء الإطار القديم. يهوي على طرفها بيده، يسمع صوت طقطقة ، يفتحها ببطء ، تصدر صوتا مريرا، كصوت قطة إندس ذيلها في فرامة اللحم. يشعل السيجارة بهدوء ، ويتنفس عبرها. ثلاث ثواني، ينتظر، ثم يشعر بالنيكوتين يتخلل شرايينه، يخف رأسه، يشعر بصمت مؤقت يملأ المكان بالرغم من أكوام البشر الطائفة في أروقة المبنى، ثم لا تلبث الضوضاء أن تملأ المكان من جديد. ينظر بعيدا إلى الشارع المزدحم، إلى الأبنية القديمة القريبة ، وتلك الجديدة التي تتناثر في المدينة الآن ، شاهقة، عملاقة ومخيفة، بأشكالها الهندسية المعقدة وتلك المساحات الخضراء الجميلة التي تحيطها. ثم ينظر إلى حديقة المبنى الذي يقبع في طابقه الأول، نخلة واقفة كرجل عجوز يقف على ساق واحدة، وحشيش ميت، مقبرة حشرات لا توجد في كتاب العلوم. يلمح البوابة الزرقاء – سابقا – ويرى الناس يعبرونها بسرعة ، داخلين وخارجين كالجراد. ثم ينظر أخيرا إلى البحر البعيد، ذلك العملاق المستلقي منذ الأزل ، لا يتأثر بحال المدينة وتقلباتها.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: