Posted by: salemarabic | April 29, 2008

سلطان توفيق الحكيم الحائر، هل هو عبد الناصر

null

مسرحية السلطان الحائر هي من إحدى روائع توفيق الحكيم بلا أدنى شك، فهي تجمع بين قوة النص اللغوية، حداثة الفكرة، وجمال الغاية، وهي مسرحية كوميدية ساخرة لكل ما تحمل هذه الكلمة من معى. فهذه المسرحية بفصولها الثلاث تتحدث بمجملها عن صراع السلطة المطلقة في يد الحاكم، وقوة القانون، أو بمعنى آخر، هي جواب لتساؤل قديم قدم وجود الإنسان على وجه الأرض، ألا وهو: هل نلجأ إلى القوة أو المبدأ لحل قضايانا المستعصية؟ ونجد أن توفيق الحكيم الذي كتب هذه المسرحية في خريف 1959 في مدينة باريس، كان يتفاعل مع ما مر به العالم في العقد الأخير من إستخدام دولة عظمى كالولايات المتحدة القوة النووية لأنهاء الحرب العالمية الثانية، عوضا إلى الإحتكام بقوانين مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تمثل ” المبدأ ” في الصراع السياسي الدولي.

بالعودة إلى المسرحية، نجد أن الحكيم إستهلها بمشهد كوميدي ساخر، لرجل على وشك أن يلقى حتفه على يد جلاده، لسبب لا يستطيع المحكوم عليه التصريح به لتوعد جلاده بإنزال السيف على رقبته لو باح بسبب عقوبته. ونبقى طوال الفصل الأول من المسرحية نتابع بأعين مترقبة معرفة سبب الحكم على هذا العجوز، ونقرأ بحبور ذلك الحوار الساخر المضحك بين العجوز ” النخاس” والجلاد الذي ينتظر على أحر من الجمر أذان الفجر لينفذ الحكم. والقاريء المتمعن قد يرى نوعا من السخرية في تواجد هاتين الشخصيتين في نفس المكان، فالنخاس تكمن وضيفته في بيع البشر كعبيد، والجلاد إنما ينفذ أحكام القانون دون النظر إلى واقع القضية أو حتى معرفة ما إذا كان المحكوم عليه قد لقي محاكمة عادلة. ولو قرأنا بتمعن أكثر، فنحن نستطيع ما يحاول الحكيم أن يوصل إلينا برمزية الشخصيات، فهذا النخاس إنما يمثل ” العبودية ” وهذا الجلاد إنما يمثل يد ” القانون “، كما أن المؤذن في المسرحية هو ” الدين ” والعاهرة التي تظهر في ذات الفصل هي ” الفساد الأخلاقي “. وإذا ما وضعنا هذه الشخصيات في مكانها الصحيح فإننا نستطيع فهم ما يحاول الحكيم قوله، فالنخاس كان من الممكن أن يعدم فعلا لو أن المؤذن رفع الأذان في وقته، إلا أن المؤذن إتبع أهواءه ودخل مع العاهرة بيتها، تاركا الأذان دون أن يرفع، وبالتالي لم يستطع الجلاد من تنفيذ الحكم. وبإسقاط هذا المشهد على الواقع، فإننا نجد أن العبودية كان من الممكن أن تنتهي بيد القانون لو كان الدين ينفذ بحذافيره، مما سيضمن بلا شك للقانون القدرة على تنفيذ أحكامه وإنهاء العبودية تماما من على وجه الأرض. ولا يخفى على عاقل أن العبودية، بالرغم من إنقضاء عهد الرق، موجودة بصورة خفية، إما بصورة إجتماعية أو بصورة سياسية في عالمنا المعاصر، فالبشرية مازالت تعاني من العبودية السياسية بتبعية الدول الفقيرة للدول الغنية وعملها على رفاهية الإنسان الغني على حساب معاناة الشعوب الفقيرة وحرمانها من أبسط الحقوق المدنية المتمثلة في المأكل والملبس.

وفي نظرة سريعة على نص المسرحية، نستطيع معرفة تهمة النخاس، الذي يتضح لاحقا في الفصل الثاني من الرواية وفي محاكمته أمام السلطان، أنه صرح في سوق المدينة على أن سلطان المدينة المملوكي إنما هو عبد باعه للسلطان السابق، وأن السلطان الحالي لم يعتق، وبالتالي فإن القانون لا يسمح له بالبقاء في منصبه لأنه ملك لبيت المال، أي أنه ” شيء ” من الأشياء، لا شخص ذا إدراك وإراده. وبعد أن يتشرب السلطان الصدمه، ويعترف الوزير بخطئه، يبدأ الصراع الفعلي في عمل توفيق الحكيم المسرحي، فيتضح لنا أن الصراع إنما بين قوتين لا ثالث لهما، قوة السيف ، وقوة القانون. وأما قوة السيف فقد كانت متمثلة في الوزير الذي كان يلح على السلطان بإعدام النخاس لتكف ألسنة الشعب عن الخوض في إشاعة عبودية السلطان وعدم أحقيته بالحكم، وأما القانون فقد كان متمثلا في القاضي الذي واجه السلطان وألح أنه لابد من تطبيق القانون بالرغم من كل شيء. بعد هدأة ثورة السلطان واحتكامه للعقل، يقرر التمسك بالقانون، وعرض نفسه في مزاد علني ليباع ويعتق أمام الشعب بأسره. وتقبع الجملة المفتاحية التي تستطيع ترجيح كفة القانون لدى السلطان في مقولة القاضي ” .. إني معترف بما للسيف من قوة أكيدة، ومن فعل سريع وأثر حاسم، ولكن السيف يُعطي الحق للأقوى، ومن يدري غداً من يكون الأقوى؟ .. فقد يبرز من الأقوياء من ترجح كفته عليك! أما القانون فهو يحمي حقوقك من كل عدوان، لأنه لا يعترف بالأقوى .. إنه يعترف بالأحق”. ويمكننا نفسير مقولة القاضي على أنها توضيح لمبدأ أن القوي هو بلا شك من يحتمي بالقانون والحق، وليس هو من يحتمي بالسيف، وأن الخضوع للعدالة مجد ورفعة وقوة، ونكتشف أن حاجات المجتمع إلى سيادة القانون ـ على النحو الصحيح تماما ـ أشد من حاجتها إلى أي شيء آخر، ويظهر لنا بوضوح أن دور السلطان في حماية القانون هو دور جوهري وأصيل، بل هو الدور الأول، إذا فقده أو حاد عنه فقد كل شيء. كما نستطيع أن ندرك أيضا أن حاجة الأمة إلى القاضي الأمين العادل تُساوي تماماً حاجتها إلى الجيش القوي الظافر، فالجيش يدفع البغي عن الأوطان، والقاضي يدفع البغي عن الحقوق التي بدونها يُصبح الأفراد هملاً وضياعاً، بل لا يمكن لأفراد تضيع عدالة القانون بينهم أن يصنعوا من أنفسهم جيشاً منتصراً، أو أمة ذات قيمة.

ولا يخفى على الناظر في عهد توفيق الحكيم وما عاصره من أحداث أنه لربما أراد إسقاط معاني هذه المسرحية على واقع مصر وفقدانها للديموقراطية التي وعد بها عبدالناصر بعد ثورة يوليو 1952، الذي تلى سقوط الملكية وولادة المؤسسات الإشتراكية التي رأى فيها الشعب آنذاك القوة الحقيقية التي باستطاعتها تحقيق العدل والمساواة، إلا أن شمس الديموقراطية لما تشرق بعد على هذه المصر التي لازالت ترزح تحت وطأة الفقر والظلم والإستحقار المتمثل في سلطة تبات شبعى والشعب يسهره الجوع.

خلاصة القول، فإن هذه المسرحية كما أسلفنا إنما حي تمثيل حي في إطار تاريخي لمبدأ السلطة المطلقة الغاشمة ضد القانون العادل الذي لا يعرف حاكما ومحكوما. ويأتي فصل المسرحية الثالث ليضع لنا هذا المفهوم في أطار حقيقي بتمثيل حي لعملية بيع السلطان في مزاد علني يحضره عامة الناس، ويزايد عليه من هب ودب، لتشتريه في النهاية تلك البغي التي أنقذت النخاس من يد جلاده. وتظهر هذه البغي مرة أخرى بعد ظهورها في الفصل الأول على أنها منقذة النخاس في هذا الفصل لتنقذ السلطان من عملية البيع والشراء، إلا أنها لا تتوانى على المساومة ولا ترضى بتوقيع عقد تحرير السلطان من عبوديته.

وطرح توفيق الحكيم بهذه الصورة الساخرة – شراء السلطان العظيم من قبل أكثر النساء سموء سمعة في المدينة – إنما هو من منظور فلسفي رمزي بحت. فنحن نكتشف أن رمزية هذه المرأة إنما له دلالة مناقضة لما كان عليه في الفصل الأول، ففي الفصل الأول عندما تنقذ المرأة النخاس، نجد أنها معروفة بين الشعب على أنها عاهرة صاحبة بيت دعارة سيء السمعة، ولكن في الفصل الثالث نكتشف حال حديثها مع السلطان في خلوة بيتها أنها ما كانت يوما بغيا، وإنها إنما امرأة علم وأدب ظلمها الشعب لأنها تلاقي الرجال خلوة في بيتها في أمسيات طويلة تناقش أمور الأدب والشعر وما شاكلها من أمور الثقافة التي كانت تستمتع بها عندما كان زوجها على قيد الحياة. وهنا يصدم القاريء بتغير في حبكة الرواية بما يعرف بالــ “twistفي الأدب، حيث يعمد الكاتب إلى تحويل إحدى الأفكار الفرعية في العمل الأدبي عن مسارها وقلب مفهومها لحض عقل القاريء على التفكير بصورة أعمق. ويكمن هذا التحول في الفكرة في إكتشاف القاريء أن هذه العاهرة إنما هي بريئة من ما يلصق بها من إتهامات أخلاقية، وأنها إنما أمرأة طاهرة ذات أدب وثقافة. وما يمكننا إستخلاصه من هذا العكس الذكي في الأدوار الذي تعمده الحكيم في نهاية المسرحية هو خلق شخصيتين مستقلتين في ذات الرمز المستخدم في ذات العاهرة. فهي في فصل المسرحية الأول ” عاهرة ” تنقذ النخاس أو مبدأ ” العبودية ” من الجلاد ” يد القانون ” بإفساد الوازع الديني ” المؤذن”. أما في الفصل الثالث، فإن هذه المرأة هي ذات أدب وأخلاق وثقافة وعلم، انقذت السلطان ” رمز السلطة” من المهانة والضعف المتمثل في رمزية ” المزاد العلني ” وبالتالي ما يحاول الحكيم من إيصاله للقاريء في النهاية هو أن السلطة لا ينقذها من المهانة والضعف إلا العلم والثقافة والتفتح الفكري والعقلي.

وخلاصة ما قيل، فإن المسرحية تطرح فكرية محورية هي صراع السلطة والقانون، وتطرح فكرتين فرعيتين هما ضياع الحرية إذا ما ضاع الدين، وأن السلطة الحقيقية تنجو من الضعف لو كانت مدعمة بالعلم والتفتح العقلي اللازم لإستمراريتها.

تحليل الشخصيات:

نجد في المسرحية العديد من الشخصيات الرئيسية والفرعية التي هي في حقيقة الأمر رموز توضح الفكرة العامة للمسرحية. فالسلطان يمثل السلطة والحكم بكل ما تملك هذه السلطة من قوة وأثر في أوساط الشعب لامتلاكها السيف الذي يرمز إلى القوة القاطعة التي من شأنها إخراس الشعب ودفعه إلى غض البصر عن أخطاء السلطة وزلاتها. أما الوزير، فهو يمثل الدافع، أو الشيطان الذي يوسوس للسلطة دافعا إياها لإستخدام القوة عوضا عن العقل والقانون. فنحن نجد الوزير في أكثر من مرة في المسرحية يحاول جاهدا دفع السلطان إلى إعدام النخاس ، الذي يمثل لحظة تجلي حقيقة السلطان وتعريته من سلطته بسبب كونه عبد بيع ولم يعتق. والقاضي هو رمز واضح لا يحتاج التوضيح بأنه تمثيل صارخ للقانون، تتمثل إستقامة القانون في إستقامة القاضي الذي رفض تدبير إخفاء حقيقة عبودية السلطان عن الشعب، وعرض على السلطان أن يعدم كحل وحيد لإخراسه ومنعه من النطق بالحقيقة. إلا أننا في الفصل الثالث نجد أن القاضي يحاول إستخدام الحيلة لإخراج السلطان من بيت المرأة التي إشترته، فهو يستخدم ذات الحيلة التي استخدمتها المرأة في الفصل الأول عندما أغوت المؤذن ومنعته من الأذان، ولكن بصورة عكسية، حيث شاء أن يدفع المؤذن إلى الأذان في وقت ليس بوقت الأذان ليعجل من خروج السلطان من بيت المرأة التي أصرت أن يبقى الحاكم حتى موعد أذان الفجر. وهنا نجد أن القانون من الممكن أن يلجأ إلى الحيلة إذا ما اصابه العجز، وهذا أمر شائع في القانون، فنحن نسرى المحامين في المحاكم يتلاعبون بالقانون ويجدون ثغرات فيه تمكنهم من إنقاذ موكليهم من حبل المشنقة أو قضبان السجن البارد.

وبالعودة إلى الشخصيات الأخرى، فنحن نجد أن النخاس يمثل العبودية بمعناها الواضح، وقد يختلف تفسيرنا لهذه العبودية، فهل يقصد الحكيم بها العبودية الفعلية للإنسان، أم أنها العبودية السياسية الإجتماعية التي انتشرت في العالم بعد هيمنة الرأسمالية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية وانحدار الشيوعية الماركسية الداعية إلى المساواة والأخذ من الأغنياء لإطعام الفقراء؟ والجلاد يمثل يد القانون العمياء، فهو رجل لا يعلم إن ما كان المحكوم عليه قد حوكم محاكمة عادلة، وإنما ينتظر الفجر ليقطع رأس الرجل. وبالنظر إلى شخصية الجلاد عن قرب، فنحن نجده رجل يحب الغناء والعربدة والسكر، وليس رجل قانون ملتزم بالدين والأخلاق، وفي هذا إسقاط مباشرعلى المؤسسات القانونية المدنية كالشرطة ، حيث أنها يد القانون الفعلية، ولكنها تبتعد عن الفهم اللازم لفلسفة القانون، وقد تنفذ أحكام السلطة دون الرجوع إلى عدل القانون المتمثل في المحاكمة العادلة، وذلك ما حدث في المسرحية بالفعل، حيث أن الجلاد إنما تلقى أوامره من الوزير، لا القاضي، أي أنه تلقى أوامره من السلطة، لا من القانون.

وكما أسلفنا، فإن شخصية العاهرة هي شخصية ذات بعدين، فهي شخصيتين في شخصية واحدة، فهي سوء الأخلاق الظاهر للعين، والعقل المتواري عن الأنظار. ويظهر بعد هذه الشخصية الروائي في الفصل الثالث عندما يكتشف القاريء أنه هذه المرأة سيئة الذكر إنما هي أكثر من في هذه المدينة عقلا وعلما وحنكة. وتتجلى قوة هذه المرأة العلمية والفكرية في مقارعتها للقاضي حال المزاد عندما رفضت توقيع عقد العتق، وإحتكامها لقوانين وحجج يستحيل أن تكون عاهرة على علم بها. وكما أسلفنا، فإن الوجه الأول ” سوء الخلق ” المفترض لهذه الشخصية هو الذي أنقذ النخاس ” رمز العبودية ” في الفصل الأول، إلا أن الوجه الآخر ” العقل ” هو الذي أنقذ السلطة من المهانة والضعف في الفصل الأخير.


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: