Posted by: salemarabic | October 23, 2008

هدوء في عالم صاخب

قبل عام واحد كنت إنسانا غاضبا جدا، من كل شيء تقريبا، ولكن كانت حالة العالم المنحدرة أزلا نحو مستقع من الإنحلال الأخلاقي والفساد الإجتماعي أكثر ما يرهق أعصابي ويدفعني إلى الكتابة كملاذ أخير من دوامة الصراعات اليومية التي تسيطر على العالم. نحن جيل شهد الإنتفاضة الفلسطينية ومقتل الأطفال الأبرياء عبر شاشات التلفاز، كما أننا شهدنا سقوط بغداد في يد الأمريكين الذي دخلوا العراق تحت مظلة من الأكاذيب وعلقوا داخل دوامة من العنف الذي تسبب به وجودهم هناك. كل ذلك واكثر كان يدفعنا للتفكير بالعالم وإنحداره. ناهيك عن الفساد في الدولة وعجز القانون في بعض الأحيان من أن يطال شخصيات مهمة في المجتمع لأنها “مسنودة” أو معروفة جدا بحيث لا تطالها يد القانون. في حياتي القصيرة شاهدت بأم عيني القضاء يعجز عن أخذ حق المظلوم، وشاهدت حياة الناس تدمر بسبب عجز القانون. كل ذلك أدخلني وأدخل العديد من المفكرين في دوامة من الإشمئزاز من حالة العالم الميؤوس منها

ولكني بعد كل هذه الأعوام وصلت إلى مفترق طرق في حياتي حيث علي الإختيار بين الإصابة بقرحة في المعدة بسبب فقع المرارة المستمر من كل الظلم والقهر في هذا العالم، أو أن أعيش ما تبقى لي من لحظات في راحة نفسية دائمة لا تهزها المصائب المتتالية. إخترت الطريق الثاني، الطريق الأعقل في عالم مجنون. أدركت متأخرا أن الغضب من الظلم والقهر لا يحل المشكلة، وإنما الهدوء والتفكير بعمق والإتعاض هو الحل. الأشخاص الذين تحاول الحياة تدميرهم، يجدون أنفسهم بقايا بشرية بعقلية مظلمة وتفكير إنتقامي يبعدهم عن الإنسانية. ولكن إذا ما استطاع كل من هضم حقه بأن يفكر بعقل أكثر ويرفض أن يكون غاضبا بقية حياته، فهو يفلت من دوامة العيش في جحيم من رغبة عمياء للإنتقام. الإنتقام لا يحل شيئا، ولا يبرد قلبا، وإنما ينزع منا الإنسانية ويعرينا من التفكير السليم في عالم لا عقل له

هذا لا يعني أن نبتلع ألسنتنا ونكف عن المطالبة بحقوقنا، بل هذا يحث على أن نواصل أكثر ولكن بطريقة أكثر ذكائا، وأن نلعب وفق قواعد اللعبة.فؤلائك الذين يقهرون البشر ويبتلعون بأفواههم الجشعة حقوق الآخرين  لا تصيبهم لعناتنا وسبابنا، وإنما يدمرهم الهدوء، كقصة التنين

التنين الذي نفث نيرانه في وادي النمل قاتلا جميع النمل إلا نملة واحدة تقف أمامه بلا حول أو قوة. سألها هذا التنين لم لا تحارب أو تشتكي من ظلمه، فقالت له أنها لن تفعل شيئا الآن، ولكنها ستعود في وقت ما لتنتقم. تلك الفكرة التي عششت في عقل التنين جعلته لا ينام الليل، لأنه إعتقد أن هذه النملة حتما ستأتي في الوقت الذي ينسى فيه إنتقامها ويغفل عنها وعن إنتقامها، وبقي ذلك التنين معذبا طيلة حياته

الإنتقام لا يحل شيئا، ولكن نظرية الإنتقام له الأثر الأكبر في هز أركان الظالم، فالمجرم لا يردعه السجن، ولكنه يبقى خائفا طيلة حياته من أن يلقى القبض عليه لذلك فهو يهرب ويختبيء

ولكن هل هذا يعني أن لا نلقي القبض على المجرمين؟ بالطبع لا، فأنا لا أتحدث عن المجرمين الذين نعلم يقينا أنهم لصوص أو قتلة، وإنما أتحدث عن أولئك الذين يختبئون في الظلام، يبتلعون حقوق الناس دون أن يعرفهم أحد أو يطالهم أحد لأنهم أقوى وأكثر شهرة من أن يمسهم القانون

لكي ننعم بسلام مع أنفسنا، علينا أولا أن نسامح الذين تعدوا علينا ودمروا حياتنا، وأن نحاول من جديد بناء حياة جديدة عوض أن نبكي على ما تم تدميره

حينها فقط سنسامح أنفسنا، ونتوقف عن البكاء، لأننا نعلم أن فوقنا بعيدا/قريبا هناك عين ترانا جميعا وتنوي بلا أدنى شك في رد حقنا لنا بطريقة أو بأخرى

وكما يقال، رجل مع الله، هو جيش لا يقهر


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Categories

%d bloggers like this: